وهبة الزحيلي

14

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

وترددهم في وصف القرآن ، واختلافهم في ذلك ، فقال : بَلْ قالُوا : أَضْغاثُ أَحْلامٍ ، بَلِ افْتَراهُ ، بَلْ هُوَ شاعِرٌ أي إنهم وصفوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم أولا بأنه ساحر وأن ما يقوله سحر ، ثم أضربوا عن قولهم : هو سحر إلى أنه تخاليط أحلام رآها في المنام ، ثم إلى أنه كلام مفترى مختلق من عنده ، ثم إلى أنه قول شاعر . وهذا الاضطراب والتردد والتحير دليل على أن قولهم باطل ، يشوه الحق ، ويزيف الحقائق ، فهم إما جاهلون بحقيقة ما جاء به محمد صلّى اللّه عليه وسلم ، أو عارفون الحقيقة ، ولكنهم مكابرون يائسون يأس المهزوم المغلوب ، فقالوا : إنه سحر وكذب . ولما فرغوا من تعداد هذه الاحتمالات ، وترداد هذه المزاعم قالوا : فَلْيَأْتِنا بِآيَةٍ كَما أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ أي إن كان محمد صادقا في أنه رسول من عند اللّه ، وأن القرآن الموحى به إليه كلام اللّه ، فليأتنا بآية جلية غير القرآن ، لا يتطرق إليها شيء من هذه الاحتمالات ، كالآيات المنقولة عن الأنبياء السابقين ، مثل ناقة صالح ، وآيات موسى كالعصا واليد ، وعيسى كإبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى ، ونحو ذلك من المعجزات الحسية التي تثبت النبوة والرسالة . وقوله : كَما أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ يدل على أن تلك الآيات مسلّم بها عندهم ، وتحقّق المقصود . ثم أجابهم تعالى عن هذا السؤال الأخير مفندا كذبهم ، ومشيرا إلى عدم إفادة الآيات المنزلة ، بسبب إمعانهم في الكفر ، فقال : ما آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها ، أَ فَهُمْ يُؤْمِنُونَ ؟ أي ما أتينا أهل